هذا العمل ليس تفسيراً تقليدياً يغوص في معاني المفردات أو أسباب النزول، فتلك كنوز قد حفلت بها مكتبتنا الإسلامية. وإنما هو رحلة ترقي، أو "مِعراجٌ للتدبر"، ننطلق فيه معاً لنكتشف ذلك الخيط الناظم الذي يربط آيات القرآن في نسيج محكم، كما يربط حبات العقد الفريد.
بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله...
هل شعرت يوماً وأنت تقرأ القرآن الكريم أنك تنتقل فجأة من قصة إلى تشريع، ومن آية تتحدث عن بني إسرائيل إلى أخرى تخاطب المؤمنين، فشعرت أن كل آية تقف وحدها، منفصلة عما قبلها وما بعدها؟
إن كنت قد شعرت بذلك، فاعلم أن هذا الشعور هو بحد ذاته دعوة إلهية للتوقف، وباب خفيّ للتدبر. فالجواب على هذا السؤال يكمن في سر من أسرار الإعجاز القرآني: إن الترابط بين آيات القرآن الكريم، رغم غموضه الظاهري، هو أوثق وأقوى من أي ترابط في كلام البشر. إنه "جسر خفيّ" لا يظهر إلا لمن أقبل على كلام الله بقلب الموقن، وأعمل فيه فكره طالباً الهدى.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى هذا الترابط دقيقاً لا سطحياً، ربما ليحفز عقولنا، ويجعلنا نعيد النظر في كل آية مرات ومرات. فالذي يحصله القارئ بذلك لا يقتصر على فهم المعنى، بل يرسخ هذا المعنى في قلبه، ويزداد إيمانه بإعجاز كلمات الخالق، فتتحفز همته للعمل. وما كان لكل هذا أن يحدث لو أن الترابط كان واضحاً بسيطاً كأي كتاب عادي.
هدفنا أن نرى بأعين اليقين كيف أن القرآن ليس آيات متناثرة، بل هو بناءٌ مرصوص، كل لبنة فيه تمهد للأخرى وتُبنى عليها في نظام هندسي بديع. سنسير معاً في هذه الرحلة، آيةً آية، لنشاهد كيف تسلمك الآية إلى أختها، وكيف أن كل انتقال في الموضوع هو في حقيقته ارتقاء في المعنى وتدرج في التشريع والتربية.
إن إدراك هذا الترابط ليس ترفاً فكرياً، بل هو مفتاح لفوائد جليلة:
لمن يقرأ: سيتحول القرآن في قلبه من نصوص متفرقة إلى قصة واحدة متصلة، هي قصة علاقة الكون والإنسان بالله عز وجل، مما يزيد فهمه ويعمق تأثره.
لمن يحفظ: سيجد في هذا الترابط أقوى معين على الحفظ، ففهم "لماذا" جاءت هذه الآية بعد تلك، يحول الحفظ من ترديد أصمّ إلى تذكر منطقي راسخ.
لمن يتدبر: سيفتح له أبواباً من المعاني لم تكن لتُفتح بقراءة مجزأة، وسيرى حكمة التشريع وتدرجه بأوضح صورة، ويزداد يقيناً ببلاغة كلام الله التي لا يصل إليها كلام مخلوق.
ندعوك في هذا الكتاب أن تصحبنا في هذه الرحلة، لنكتشف معاً جانباً جديداً ومذهلاً من عظمة كلام الله الذي لا تنقضي عجائبه.