المجلس الأول: مرآة البشرية وقصة البداية
الآيات: 1-39
الٓمٓ (1) ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ (2) ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (3) وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (5) إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ (6) خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ (7) وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ (8) يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ (11) أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ (14) ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ (15) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ (16) مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ (17) صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ (18) أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ (19) يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (20) يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ (21) ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ (22) وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (23) فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ (24) وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (25) ۞إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ (26) ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ (27) كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (28) هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ (29) وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (31) قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ (32) قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ (33) وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (34) وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ (36) فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (37) قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (38) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (39)
مقاطع المجلس
﴿ الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾﴾
بعد أن ناجى العبد ربه في الفاتحة طالباً الهداية، تأتي الإجابة في مطلع سورة البقرة. كأنه قيل له: “لقد طلبت الهداية، فهذا هو كتابها”. تبدأ الرحلة بافتتاح مهيب ﴿الم﴾، حروف نورانية كأنها مفتاح يُفتح به أعظم كنز. ولما كان هذا الافتتاح يوحي بالتعظيم، جاء التعريف فوراً بهذا الكنز: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. ثلاثة أوصاف تأسيسية: كتاب كامل في علو شأنه، يقيني في مصدره، وظيفته الهداية. ولكن، لمن هذه الهداية؟ هنا يأتي الشرط الأول: إنها “للمتقين”، أولئك الذين أعدوا قلوبهم لتكون أرضاً خصبة مستعدة لاستقبال بذور الحق.
وهنا يقف بنا القرآن ليسأل: ومن هم هؤلاء المتقون؟ فتأتي الآيات التالية لترسم لوحة تفصيلية لملامحهم. إن مفتاح شخصيتهم هو الإيمان بما لا تراه الأعين ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وهو أساس كل إيمان. ثم يترجم هذا الإيمان الباطن إلى سلوك ظاهر: صلة راسخة بالخالق ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، وصلة متينة بالخلق ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ثم يكتمل بنيانهم باتصالهم بتاريخ الهداية كله، فلا يفرقون بين رسالات الله ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وتتوج كل أعمالهم بوصلة توجههم نحو المصير الأبدي ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وحين اكتملت هذه الأوصاف الخمسة، جاءهم الوسام الإلهي الذي هو نتيجة طبيعية ومنطقية: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ولما فرغ من بيان حال أهل الهداية والفلاح بأوضح صورة، كان من تمام البلاغة والبيان أن يعرض الصورة المقابلة مباشرة، صورة من اختاروا طريق الظلام، حتى تزداد صورة الحق وضوحاً بالمقارنة. فبدأ بالصنف الثاني، وهم الكفار الصرحاء، الذين وصلوا إلى حالة مأساوية من اليأس التام من هدايتهم ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ولكن لماذا وصلوا إلى هذه الدرجة؟ توضح الآية التالية أن هذا كان نتيجة طبيعية لاختيارهم هم، حيث ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾. فبسبب إعراضهم المستمر، أُغلقت منافذ الهداية لديهم، فكان الختم الإلهي إقراراً لهذا الواقع، وكان جزاؤهم العادل هو العذاب العظيم.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التعريف والمقابلة”. بدأت بتعريف “الكتاب” بأنه هدى للمتقين، ثم انتقلت لتفصيل هوية “المتقين” وصفاتهم وجزائهم. ثم، ولإبراز قيمة الهدى، قابلت هذه الصورة المشرقة مباشرة بالصورة المظلمة “للكافرين”، مبيّنة أن حالتهم هي نتيجة حتمية لإغلاقهم منافذ الهداية التي استجاب لها المتقون.
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ … يَكَادُ الْبَرَقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيِهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَarِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾﴾
بعد أن عرض القرآن صورتين واضحتين، صورة الإيمان الكامل وصورة الكفر الصريح، ينتقل الآن إلى الصورة الثالثة، وهي الأكثر تعقيداً وضبابية، صورة أولئك الذين يقفون في المنتصف، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. إنهم المنافقون، الذين يحتاج كشف حقيقتهم إلى تفصيل أطول وسبر أعمق لأغوار النفس.
تبدأ الآيات بكشف تناقضهم الصارخ بين ما تقوله ألسنتهم ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وبين ما تخفيه قلوبهم ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وما هو دافعهم؟ يكشف القرآن عن نفسيتهم المريضة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، لكن خداعهم هذا لا يرتد إلا على أنفسهم وإن كانوا لا يشعرون. وأصل هذا الخداع هو مرض متجذر في القلب ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وبسبب استمرارهم على نفاقهم، يزيدهم الله مرضاً على مرضهم، ولهم عذاب أليم بسبب كذبهم.
ولما وصف مرضهم، انتقل إلى وصف آثار هذا المرض في سلوكهم. فأول أثر هو قلب الحقائق؛ فهم يفسدون في الأرض بنشر الشكوك والفتن، وإذا نُصحوا ادعوا الإصلاح ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، فيأتيهم الرد الإلهي القاطع: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. والأثر الثاني هو الاستكبار والتعالي؛ فإذا طُلب منهم أن يؤمنوا بصدق كبقية الناس، ردوا بكبرياء، متهمين المؤمنين الصادقين بالسفه ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾، فيأتيهم الرد بأنهم هم السفهاء الحقيقيون ولكنهم لا يعلمون. ثم يفضح القرآن ازدواجيتهم في التعامل، فهم يظهرون الإيمان عند لقاء المؤمنين، ولكنهم إذا خلو بشياطينهم، أكدوا ولاءهم لهم وأنهم كانوا فقط يستهزئون. فجاءهم الجزاء من جنس عملهم، فالله يستهزئ بهم ويتركهم يتخبطون في ظلمات طغيانهم. يا لها من تجارة خاسرة، باعوا بها الهدى واشتروا الضلالة!
ولأن حالة النفاق غامضة ومعقدة، كان من تمام البيان أن يضرب الله لها مثلين حسيين، ليقرب صورتها إلى الأذهان ويكشف حقيقتها.
المثل الأول هو “المثل الناري“، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا…﴾. وهذا يصور حال المنافق الذي دخل في الإسلام ورأى نوره للحظة، فلما أضاء له هذا النور ما حوله وكاد أن يبصر به طريق الحق، أطفأ الله هذا النور من قلبه بسبب نفاقه وخداعه، فتركه في ظلمات الكفر مرة أخرى، لا يبصر طريق الهدى، وأصبح أصم عن سماع الحق، أبكم عن النطق به، أعمى عن رؤيته.
أما المثل الثاني فهو “المثل المائي“، ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ…﴾. وهو يصور حالتهم النفسية تجاه القرآن نفسه. فالقرآن ينزل كالمطر فيه حياة ورحمة، ولكنه يحمل أيضاً آيات فيها تحدٍ للعقيدة (ظلمات)، وآيات فيها وعيد (رعد)، وآيات فيها وعد وبشرى (برق). فهم من شدة خوفهم من الوعيد الذي يأتيهم كالصواعق، يضعون أصابعهم في آذانهم هرباً من الحقيقة. يستفيدون من نور الوعد والبشرى بشكل انتهازي، فيمشون في ضوئه إذا وافق أهواءهم، ولكنهم يتوقفون ويتحيرون إذا جاء ما يخالفها. إنهم يعيشون في حالة من التردد والاضطراب الدائم، لا يثبتون على حال.
سر الترابط: بعد أن قابل القرآن بين النور (المؤمنين) والظلام (الكافرين)، جاء بهذه الوقفة ليفصل في حالة أهل “الضباب” (المنافقين) الذين يجمعون بين النور الظاهري والظلام الباطني. وكان الانتقال من وصف حالهم إلى ضرب الأمثال لهم انتقالاً طبيعياً، فالأمر الغامض يحتاج إلى مثل حسي واضح ليكشفه ويجليه.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ … أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٨﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾﴾
وهنا يقف بنا القرآن وقفة شاملة. فبعد أن فصّل أصناف الناس ومواقفهم من الهدى، كان من الطبيعي أن يتوجه بخطاب جامع للبشرية كلها، ليردهم إلى “الأصل” الذي فطروا عليه، ويقدم لهم “الحل” لكل هذا التفرق. فجاء أول نداء في المصحف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.
ولماذا نعبده؟ يقدم القرآن برهانين لا ينكرهما عاقل. البرهان الأول هو “برهان الخلق”: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. فالخالق هو المستحق الوحيد للعبادة. والبرهان الثاني هو “برهان النعمة”: فقد جعل لكم الأرض فراشاً ممهداً، والسماء سقفاً محفوظاً، وأنزل المطر فأخرج به الثمرات رزقاً لكم. وبناءً على هذين البرهانين، يأتي التحذير المنطقي: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ولما أقام الحجة على التوحيد، قد يبقى في النفوس شك حول صدق الرسول الذي جاء به. فجاء “التحدي القاطع” الذي يثبت صدق القرآن نفسه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. ولما كان عجزهم محققاً، جاء الإنذار بالنار لمن كفر، والبشرى بالجنة لمن آمن.
وهنا وقفة تدبرية لطيفة. فبعد أن تحدى المعاندين، كان من الطبيعي أن يرد على شبهاتهم حول أسلوب القرآن في ضرب الأمثال، والتي ربما استخدموها للتشويش على هذا التحدي. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا…﴾. وبيّن أن هذا المثل الواحد يصبح ميزاناً يكشف ما في القلوب، فيهدي فريقاً ويضل آخرين. ولكي لا يُفهم أن الإضلال يقع عشوائياً، جاء القيد الحاسم بأن الضلال لا يقع إلا على “الفاسقين” الذين يختارون بأنفسهم نقض عهد الله والفساد في الأرض.
وبعد أن حكم على هؤلاء الفاسقين بالخسران، جاء الخطاب في شكل استنكار يهز الوجدان: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ…﴾. فذكّرهم بالبرهان الأعظم، برهان وجودهم هم، ثم ببرهان تسخير الكون لهم. فكيف يُكفر بمن وهب الحياة وسخر الوجود؟
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة الحجة الشاملة”. بدأت بالحجة الفطرية (عبادة الخالق الرازق)، ثم انتقلت إلى الحجة المعجزة (التحدي بالقرآن)، ثم ردت على الشبهات المثارة حول الحجة (ضرب الأمثال)، وانتهت بالحجة الوجودية الكبرى (كيف تكفرون). إنها حلقة محكمة من البراهين لإغلاق كل باب للشك.
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً … وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾﴾
وهكذا، لما أقام الحجة على البشر ببرهان الخلق في الأنفس وفي الآفاق، ناسب تماماً أن يذكر أصل قصة البشرية وبداية هذا الخلق، لينتقل بالسياق من الحجة العامة إلى القصة الأم التي تحمل في طياتها كل العبر.
تبدأ القصة بالإعلان الإلهي المهيب في الملأ الأعلى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فكشف عن الإرادة العليا في خلق كائن سيُعطى مسؤولية إعمار الأرض. ولما سألت الملائكة سؤال استيضاح، جاء الجواب الإلهي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
واقتضت حكمته أن يُظهر للملائكة برهان علمه، ودليل استحقاق هذا المخلوق الجديد لمنزلة الخلافة. فكان البرهان هو “العلم”. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. وعندما ثبت فضل آدم بالعلم، وتجلى للملائكة سر الحكمة، جاء الأمر الإلهي للملائكة بالسجود له تكريماً. وهنا، في هذا الموقف، ظهر أول انقسام وأول معصية قائمة على الكبر والحسد من إبليس.
ثم لما استقرت منزلة آدم، وتم تحديد عدوه، انتقل السياق إلى “الاختبار الأول” في الجنة، والتحذير من الشجرة. وبطبيعة الحال، فإن العدو الذي أعلن عداوته لن يترك هذه الفرصة، فكانت الوسوسة التي أدت إلى الزلل. وحين وقعت المخالفة، جاء الأمر الإلهي بالهبوط، لتبدأ مرحلة الحياة الأرضية، حياة الصراع والابتلاء.
ولكن، وهنا تكمن روعة القصة، فهي لا تنتهي بالهبوط والعقوبة، بل تنتهي بفتح “باب الرحمة والأمل”. فلكي يتجلى الفارق بين معصية آدم التي تبعتها ندامة، ومعصية إبليس التي تبعها إصرار، ألهم الله آدم كلمات التوبة والرجوع: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
ثم صدر الأمر بالهبوط مرة أخرى، ولكن هذه المرة مقروناً بـ “المنهج” الذي سيحكم الحياة الأرضية كلها: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وفي المقابل، فمن كفر وكذب فمصيره النار ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
سر الترابط: بعد أن أثبت القرآن وجود الإنسان وبرهن على وحدانية خالقه، كان لا بد من الإجابة على السؤال الأهم: “لماذا نحن هنا؟”. فجاءت قصة آدم لتؤسس لـ “فلسفة الوجود الإنساني”: نحن هنا “خلفاء”، ومهمتنا “الابتلاء”، وعدونا “إبليس”، ومنهج نجاتنا هو “اتباع الهدى” و”التوبة عند الزلل”. وبهذه القصة، يكتمل تأسيس “مرآة البشرية” التي بدأ بها المجلس، تمهيداً لعرض النماذج التاريخية التي سارت على هذا المنهج أو انحرفت عنه.
المجلس الثاني: قصة بني إسرائيل - النموذج التاريخي للنعمة والنقض
الآيات: 40-123
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ۞وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ
مقاطع المجلس
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ … وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾﴾
بعد أن ختمت قصة آدم بتأسيس قانون الحياة الأرضية القائم على اتباع “الهدى”، كان من تمام الحكمة والبيان أن ينتقل السياق من التأسيس النظري إلى التطبيق التاريخي، ومن القصة الأم إلى أبرز نموذج أُنزل عليه الهدى بشكل مفصل، وهم بنو إسرائيل. فكان الانتقال إليهم هو المثال الحي الأكبر على كيفية تعامل البشر مع نعم الله وعهوده، وهو ما يمهد الطريق لفهم سبب إرسال الرسالة الخاتمة.
وهكذا، جاء النداء المباشر الذي يفتتح هذا الملف التاريخي العظيم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. يبدأ بتذكيرهم بالفضل والنعمة، لأن تذكر النعمة يوقظ القلب ويستدعي الشكر. ثم ترتب على هذا التذكير بالنعمة، المطالبة بالواجب المقابل لها: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. ولكي يكون الوفاء خالصاً، جاء الأساس الذي يقوم عليه كل ذلك: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، أي اجعلوا خشيتكم مني وحدي.
وبعد هذا النداء التأسيسي، جاءت الأوامر العملية التي هي تفصيل لذلك العهد. فأول ما طولبوا به هو الإيمان بالرسالة الخاتمة ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، ثم جاء التحذير من أن يكونوا هم أول من يكفر به. ولما كان من أسباب كفرهم حرص أحبارهم على مصالحهم الدنيوية، نهاهم عن ذلك مباشرة ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ثم حذرهم من أدوات التضليل التي كانوا يمارسونها، وهي خلط الحق بالباطل وكتمان الحق الذي يعرفونه. وحين نهاهم عن هذه الموبقات الباطنة، أمرهم بعماد الدين الظاهر: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
ثم بعد أن وجه إليهم هذه الأوامر والنواهي، انتقل السياق إلى توبيخهم بأسلوب استنكاري يهز الضمير، خاصةً علماءهم وأحبارهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. فكشف عن التناقض الصارخ بين علمهم وفعلهم. ولأن هذه المخالفات تحتاج إلى مجاهدة للنفس، جاء العلاج الإلهي مباشرة، فأرشدهم إلى سبيل الخروج منه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. ولكن، لما كان هذا العلاج ثقيلاً على النفوس المريضة، جاء التوضيح بأن هذه الاستعانة لا تسهل إلا على “الخاشعين”. وحين ذكر “الخاشعين”، كان من تمام البيان أن يصفهم ليكشف سرهم: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فسر قوتهم وخضوعهم هو اليقين المطلق بلقاء الله والرجوع إليه.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التأسيس للمسؤولية”. بدأت بتذكير بني إسرائيل بالنعمة، ثم طالبتهم بالوفاء بالعهد، ثم فصلت بنود هذا العهد العملية. وعندما ظهرت صعوبة الالتزام، قدمت لهم “أدوات العلاج” (الصبر والصلاة)، ثم كشفت عن “وقود” هذا العلاج وهو (اليقين بلقاء الله). إنه تدرج بديع من التكليف إلى وسيلة تحمله.
﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ … إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٥٤﴾﴾
بعد أن بيّن أن النجاة لا تكون إلا بالصبر والصلاة واليقين بلقاء الله، كرر سبحانه النداء على بني إسرائيل مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصيغة أشد وأعمق، ليقيم عليهم الحجة من كل جانب: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي… وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فأضاف هنا تذكيرهم بأثر هذه النعم، وهو تفضيلهم على عالمي زمانهم، وهذا يضاعف المسؤولية.
ولأن التفضيل في الدنيا قد يغري بالاتكال عليه في الآخرة، جاء التحذير المزلزل مباشرة ليقطع هذا الوهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا…﴾. ففي ذلك اليوم، لا تنفع الأنساب ولا الوساطات، فالنجاة فردية تقوم على العمل.
وبعد هذا التمهيد الذي جمع بين الترغيب والترهيب، شرع السياق في تفصيل النعم التي أُمروا بذكرها، فبدأ يسردها نعمةً نعمة، وموقفاً موقفاً، كشريط تاريخي حي. كانت أولى هذه النعم وأعظمها هي نعمة الإنقاذ من العبودية والاضطهاد: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ…﴾. ثم انتقل إلى ذروة هذا الإنقاذ والمعجزة الحسية الباهرة التي رأوها بأعينهم، وهي فلق البحر: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
لكن، على الرغم من هذه المعجزة الباهرة، فإن الطبيعة البشرية المتقلبة سرعان ما انحرفت. فبعد أن أنجاهم الله، جاء الاختبار التالي، وكشفت الآيات عن أول خيانة كبرى للعهد بعد النجاة مباشرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ…﴾. وحين ارتكبوا هذه الخطيئة العظمى، سبقت رحمته غضبه، فجاءت الآية التالية لتذكرهم بنعمة العفو التي لولاها لما بقيت لهم باقية: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ولما عفا عنهم، اقتضت حكمته أن ينزل عليهم المنهج الذي يقيم حياتهم. فكانت نعمة إنزال الكتاب هي النتيجة الطبيعية للعفو: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. غير أن هذه التوبة لم تكن لتكتمل بمجرد العفو، بل كان لا بد من تطهير المجتمع من جريمة الشرك بتوبة عملية شديدة، فجاء الأمر بقتل أنفسهم. ولما امتثلوا، جاء قبول التوبة من الله التواب الرحيم.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة المقارنة بين النعمة والجحود”. يعرض السياق نعمة إلهية كبرى (النجاة)، ثم يقابلها مباشرة بأول جحود منهم (عبادة العجل). ثم يعرض نعمة أخرى (العفو وإنزال الكتاب)، ثم يقابلها بالتوبة القاسية. إنه إيقاع متناقض يكشف عن طبيعتهم المتقلبة، ويظهر كيف أن رحمة الله كانت تسبق غضبه دائماً.
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً … ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١﴾﴾
بعد قصة توبتهم العظيمة من الشرك، والتي كان من المفترض أن تورث في قلوبهم تعظيماً لله وإيماناً مطلقاً به، ينتقل السياق ليذكر موقفاً آخر يكشف عن عمق العناد والجرأة في نفوس فريق منهم، موقفٌ تجاوزوا فيه حدود الأدب مع الله ورسوله. فبعد كل تلك الآيات والرحمات، جاءوا بطلب ينسف أساس الإيمان بالغيب: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾.
ولما كان هذا الطلب جرأة عظيمة وعنتاً شديداً، جاء العقاب الإلهي فورياً وحاسماً ليكون درساً لهم ولمن بعدهم: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. لكن، وكما هي عادة السياق في هذه السورة، فإن العقاب لا يأتي ليُنهي القصة، بل ليُربّي. فبعد أن ذاقوا الموت الحقيقي، تجلت رحمة الله مرة أخرى بنعمة لا تخطر على بال، وهي نعمة الإحياء بعد الموت في هذه الدنيا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وبعد أن أعادهم إلى الحياة، لم يتركهم هملاً، بل واصل إمدادهم بأسباب العيش الكريم في رحلة التيه، فكانت نعمة الحماية من حر الشمس ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾، ونعمة الرزق السماوي الذي يأتيهم بلا كدٍّ ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. ولكنهم قابلوا هذا الكرم بالجحود، فجاء التعقيب الإلهي ليبيّن أن عاقبة أفعالهم لا تعود إلا عليهم: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ثم يستمر السياق في عرض مسلسل تمردهم وسوء أدبهم. فبعد أن أُمروا بدخول قرية مقدسة بهيئة التواضع وطلب المغفرة، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾، فغيروا القول والفعل استخفافاً وعناداً، فترتب عليه نزول العقاب السماوي ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ورغم ذلك، استمر لطف الله بهم، فلما احتاجوا الماء في الصحراء، جاءت المعجزة الباهرة: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، عين لكل سبط، في نظام بديع يمنع التنازع.
ولكن، هل ارتقى كل هذا الكرم والمعجزات بنفوسهم؟ تكشف الآية التالية عن حقيقة نفوسهم التي لم تتطهر بعد من رواسب الذل وتعلق القلب بحياة المادة. فحين ملّوا من طعام السماء، تاقت أنفسهم إلى طعام الأرض الأدنى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ…﴾. فكان طلبهم هذا دليلاً على دناءة همتهم. ولما كان هذا الموقف يكشف عن مرض عميق في نفوسهم، ترتب عليه عقاب إلهي لازمهم، وهو عقاب معنوي أشد من العقاب الحسي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. ثم، ولكي لا يُظن أن هذا العقاب كان لمجرد طلب طعام، كشف السياق عن السبب الجذري، وهو منهجهم المتأصل في الكفر بآيات الله وقتل النبيين والعصيان المستمر.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة كشف المرض”. فبعد أن أظهرت الوقائع السابقة “أعراض” المرض (الجحود، التقلب)، تأتي هذه الوقفة لتقدم “التشخيص” الكامل. إنها تكشف أن المشكلة لم تكن زلات عابرة، بل هي “طبيعة متمردة” لا يزيدها الإحسان إلا بطراً، ولا تردعها المعجزات إلا مؤقتاً، لأنها مرتبطة بالأرض وتعجز عن السمو إلى السماء.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ … وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾﴾
بعد هذا السرد المفصل لجرائم بني إسرائيل وعقابهم، قد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل النجاة حكر على أمة معينة؟ وهل كل من كان قبل الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم هالك بالضرورة؟ ليرفع القرآن هذا اللبس، وليؤسس “قاعدة العدل الإلهي المطلق”، جاءت آية فاصلة لتضع الميزان العام للنجاة يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ…﴾. فهذه الآية العظيمة تعلن أن مناط النجاة ليس الانتماء الاسمي لمجموعة، بل هو حقيقة الإيمان والعمل الصالح.
ثم بعد أن أرسى هذه القاعدة الكلية العادلة، عاد السياق مرة أخرى ليستكمل سجل بني إسرائيل، ويُظهر كيف أنهم حتى في أشد المواقف مهابةً، لم يخلصوا في الالتزام. فجاء ذكر الميثاق الذي أُخذ عليهم في موقف ترتعد له القلوب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. وكان جوهر هذا الميثاق أمراً واضحاً: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ولكن، وكما هي عادتهم، جاءت الاستجابة مخيبة ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. وحين وقع هذا التولي، كان مقتضى العدل أن يحل بهم الهلاك، لكن رحمة الله سبقت مرة أخرى.
وحتى لا يكون نقض الميثاق مجرد ادعاء، ساق القرآن مثالاً عملياً صارخاً على هذا الاعتداء، وهو قصة أصحاب السبت: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. فهؤلاء، رغم علمهم بحرمة العمل يوم السبت، تحايلوا على أمر الله. ولما كان هذا التحايل استخفافاً متعمداً، جاءهم عقاب إلهي حاسم يغير هيئتهم: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. ولم يكن هذا العقاب مجرد انتقام، بل كان له هدف تربوي أبعد، ليكون “نكالاً” (عقوبة رادعة) و”موعظة للمتقين”.
وبعد أن ذكر السياق قصة الاعتداء على “الزمان” المقدس (يوم السبت)، انتقل إلى قصة البقرة التي تكشف عن طبيعة تعاملهم مع “الأوامر” الإلهية نفسها، والتي سبق ذكرها في الوقفة السابقة وأعيدت هنا في تمام سياقها. فبدأت القصة بأمر إلهي واضح، قابلوه بسوء ظن وعناد، ثم بسلسلة من الأسئلة المتعنتة التي ضيقوا بها على أنفسهم. وانتهت القصة بالمعجزة الباهرة لإحياء القتيل، ولكنها لم تزد قلوبهم إلا قسوة كالحجارة أو أشد.
وقفة للتأمل: لاحظ كيف أن قصة البقرة تكررت الإشارة إليها في السياق. ذُكرت أولاً لتشخيص مرض قسوة القلب، وتُذكر هنا في سياق نقض المواثيق. هذا التكرار ليس عبثاً، بل ليؤكد أن تعنتهم في تنفيذ الأمر (ذبح البقرة) هو تطبيق عملي لروح نقض العهود التي فطروا عليها.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة الميزان”. بدأت بوضع “ميزان العدل الإلهي” الذي لا يحابي أمة، ثم عرضت أفعال بني إسرائيل على هذا الميزان، فأظهرت نقضهم للمواثيق (ميثاق الطور، ميثاق السبت، ميثاق الأمر المباشر)، لتثبت بالدليل التاريخي أنهم خسروا مكانتهم ليس لظلم من الله، بل لأفعالهم هم.
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ … قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٩١﴾﴾
بعد هذا السرد الطويل لتاريخهم المليء بنقض العهود وقسوة القلوب التي فاقت الحجارة، ينتقل الخطاب فجأة من الماضي إلى الحاضر، ومن سرد القصة إلى مخاطبة المسلمين مباشرة. والغاية من هذا الانتقال هي بناء “جسر نفسي” بين تاريخ بني إسرائيل وبين واقع المسلمين في المدينة، ليجيب على سؤال كان يؤرقهم.
فجاءت الآية كأنها تقول: يا معشر المؤمنين، بعد أن قصصت عليكم قصة هذه القلوب التي قست كالحجارة أو أشد، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾؟ هل ما زلتم تأملون في إيمان أصحاب هذه القلوب؟ ثم يذكر السبب الجذري لليأس منهم، وهو أن الجريمة لم تكن فقط في “التطبيق”، بل تعدتها إلى “تحريف النص” نفسه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وهذا هو جذر كل بلاء.
ولما كان باطنهم قائماً على التحريف، كان من الطبيعي أن يكون ظاهرهم قائماً على النفاق. فيفضح السياق نفاقهم الاجتماعي وازدواجية مواقفهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، ولكن في خلواتهم يتآمرون لكتمان الحق الذي يعرفونه حتى لا يكون حجة عليهم.
ثم ينتقل السياق من تشخيص “علماءهم” المحرفين إلى تشخيص “عامتهم” الجاهلين: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي لا يعرفون من دينهم إلا قصصاً وأوهاماً. ومن هذا الجهل، نشأت طبقة من المنتفعين الذين يزورون الدين ليشتروا به ثمناً قليلاً. فجاء الوعيد الشديد لهؤلاء المزورين.
ونتيجة لهذا الجهل والتحريف، نشأت لديهم عقائد فاسدة مبنية على الأماني، ومنها ادعاؤهم أن النار لن تمسهم إلا أياماً قليلة. فجاء الرد القرآني ليدحض هذه الأمنية الكاذبة، ويضع “القانون الإلهي العادل” الذي ينسف كل هذه الادعاءات: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ…﴾.
وبعد أن هدم أمانيهم الباطلة، عاد السياق ليذكرهم بميثاق آخر نقضوه، وهو ميثاق الأخلاق وحرمة الدم، وكشف عن تناقضهم العجيب في الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض. ولما انتهى هذا السرد لنقضهم المواثيق، عاد السياق ليذكرهم بأصل النعمة التي كفروا بها، وهي نعمة إرسال الرسل وتتابعهم، وكيف كان منهجهم الثابت هو الاستكبار على كل ما يخالف هواهم، ففريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون.
ونتيجة لهذا الاستكبار، أعلنوا بكل وقاحة عن إغلاق قلوبهم أمام أي دعوة جديدة: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي عليها أغطية. فجاء الرد الإلهي بأن هذا الإغلاق ليس خلقياً، بل هو عقوبة على كفرهم. ثم جاءت الآيات لتكشف عن ذروة تناقضهم، وهو موقفهم من القرآن والنبي محمد ﷺ. فبعد أن كانوا يتوعدون مشركي العرب بقدوم نبي آخر الزمان، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ حسداً وبغياً. وحين يُدعون إلى الإيمان الكامل، يكشفون عن عنصريتهم المقيتة: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾. فجاءهم الرد المفحم الذي يهدم دعواهم من أساسها: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فلو كنتم حقاً مؤمنين بما أنزل عليكم، فلماذا قتلتم أنبياءكم الذين جاؤوكم به؟
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التشريح النفسي والفكري”. فبعد أن عرضت الوقائع السابقة أفعالهم، تأتي هذه الوقفة لتغوص في دواخلهم وتكشف عن “منطقهم الداخلي” وأسباب عدم إيمانهم. إنه تشريح متدرج مذهل: يبدأ من قسوة القلب، التي أدت إلى تحريف الكلم، الذي أنتج نفاقاً اجتماعياً، الذي أورث جهلاً عند العوام وغروراً عقائدياً، والذي تجلى في نقض المواث-يق والكفر بالرسل، وبلغ ذروته في الكفر بالنبي الخاتم حسداً وعنصرية.
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ … لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٣﴾﴾
بعد أن انتهى المقطع السابق بذروة التشخيص: أن سبب كفرهم بالنبي محمد ﷺ هو الحسد والعنصرية، وأن دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم كاذبة بدليل قتلهم للأنبياء، يأتي هذا المقطع ليقدم “أدلة إضافية” و”شهود تاريخ” على نفس هذه الادعاءات. كأن القرآن يقول: “ولأزيدكم برهاناً على كذب دعواهم”.
هذا المقطع هو “لائحة اتهام” مفصلة. فبعد أن ألجمهم القرآن بالحجة الدامغة ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ…﴾، واصل السياق تقديم الأدلة على تناقضهم. فجاء بدليل آخر من تاريخهم لا يستطيعون إنكاره: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ليؤكد أن كفرهم ليس أمراً جديداً بل هو ديدن قديم.
ثم عاد السياق ليذكرهم بموقف الميثاق الذي رفع فيه الطور فوقهم مرة أخرى، ولكن هذه المرة ليكشف عن جوابهم القلبي لا مجرد فعلهم الظاهري. فبعد أن أُمروا ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾، كان جوابهم الذي يعبر عن حقيقة نفوسهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. سمعنا بأبداننا، وعصينا بقلوبنا. ولماذا وصلوا إلى هذا الدرك من العناد؟ كشفت الآية عن السبب: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾، أي أن حب العجل تغلغل في قلوبهم وسيطر عليها.
ولما انهارت دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم، انتقل السياق لهدم دعوى أخرى من دعاواهم الكبرى، وهي زعمهم أن الجنة خالصة لهم دون غيرهم. فجاءهم التحدي الذي يكشف الصادق من الكاذب: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾. فالمشتاق إلى لقاء حبيبه يتمنى الوصول إليه. لكن القرآن لم يترك هذا التحدي معلقاً، بل كشف عن النتيجة مسبقاً: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. ثم بين نقيض ذلك، وهو حرصهم الشديد على الحياة، الذي يفوق حتى حرص المشركين الذين لا يؤمنون بآخرة أصلاً.
ومن بين الأسباب التي كانوا يسوقونها لكفرهم بالنبي ﷺ، هو عدواتهم لجبريل عليه السلام. فجاء الرد الإلهي ليدحض هذه الحجة الواهية، ويدافع عن رسوله الأمين جبريل، ثم يضع القاعدة الكلية بأن العداوة لأي من رسل الله أو ملائكته هي عداوة لله نفسه. ثم بعد أن دافع عن رسوله جبريل، دافع عن رسوله محمد ﷺ، وأثبت صدق رسالته.
ثم عاد السياق ليلخص طبيعتهم المتأصلة في نقض العهود، ثم يذكر تجلياً آخر لهذا النبذ، وهو إلقاء كتاب الله وراء ظهورهم، واتباعهم للسحر والأكاذيب التي كانت تنسبها الشياطين إلى ملك سليمان، فبرأ القرآن ساحة هذا النبي الكريم. ولما ذكر هذا الانحراف العظيم، فتح لهم باب العودة مرة أخرى، كعادة القرآن في الجمع بين الترهيب والترغيب.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة الأدلة التفصيلية”. إذا كانت الوقفة السابقة هي “التشخيص العام”، فهذه هي “الأدلة الجنائية” التي تثبت صحة التشخيص. إنها تعود إلى وقائع تاريخية محددة (عبادة العجل، قولهم سمعنا وعصينا، تمني الموت، العداوة لجبريل، اتباع السحر) لتقدم البراهين المادية على كل تهمة وجهها إليهم القرآن، فلا تترك لهم أي فرصة للإنكار.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا … وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿١٢٣﴾﴾
بعد أن فصّل السياق في أحوال أهل الكتاب وانحرافاتهم، انتقل فجأة ليوجه نداءً تحذيرياً للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. والغاية من هذا الانتقال البديع هي القول: “يا أمة محمد، بعد أن رأيتم كيف انحرف بنو إسرائيل بسبب تحريف الكلم والاستهزاء، فإياكم أن تسقطوا في فخ مشابه”. فقد كان اليهود يستخدمون كلمة “راعنا” التي لها معنى جيد في العربية، ولكنها تحمل معنى سيئاً في لغتهم، فكانوا يسبون النبي بها من طرف خفي. فجاء التوجيه الإلهي بترك الكلمة المشبوهة، واستخدام كلمة واضحة لا تحتمل إلا معنى واحداً، وهو طلب الانتظار والفهم. فكان هذا درساً في سد الذرائع، وتطهير الألفاظ، والتأدب مع مقام النبوة.
ثم يكشف السياق عن السبب الخفي وراء كل هذه المؤامرات، وهو “الحسد”: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ولكن إرادتهم لا قيمة لها أمام المشيئة الإلهية: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
وبعد أن حذر المؤمنين من التشبه بهم، عاد السياق مرة أخرى لهدم إحدى دعاواهم الرئيسية التي تسبب لهم هذا الغرور، وهي احتكار الجنة: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. فجاء الرد القرآني في خطوات: أولاً، وصف هذا القول بأنه مجرد أماني لا حقيقة لها. ثانياً، طالبهم بالدليل الذي لا يملكونه. ثالثاً، وضع القانون الإلهي العادل للنجاة الذي ينسف كل احتكار: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.
ومن عجيب تناقضهم أنهم مع ادعائهم احتكار الجنة، كان كل فريق منهم يكفّر الآخر. فجاء القرآن ليفضح هذا التناقض، ويحيل الحكم النهائي في هذه الخلافات إلى يوم القيامة. ولما ذكر أن هذا الغلو الفكري يولد أبشع الجرائم العملية، انتقل إلى جريمة منع مساجد الله وتخريبها. وحين ذكر منعهم من المساجد، جاءت الآية التالية لتوسع المفهوم، فالأرض كلها لله، والعبادة لا تنحصر في مكان.
ثم انتقل السياق إلى فضح أكبر جريمة عقدية لهم وللمشركين، وهي نسبة الولد إلى الله. فجاء الرد الإلهي بالتنزيه الفوري، ثم بالدليل العقلي والواقعي. وبعد أن فضح عقائدهم ومطالبهم المتعنتة، التفت الخطاب إلى النبي ﷺ لتثبيته وتسليته.
ولكن، لكي لا يُفهم من كل هذا السياق أن أهل الكتاب كلهم على نفس الدرجة من السوء، جاءت الآية التالية لتستثني فريقاً منهم منصفاً: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. فهناك قلة منهم صدقوا مع كتابهم، فكانت النتيجة الحتمية أن قادهم كتابهم إلى الإيمان بالقرآن.
وبعد هذه الرحلة الطويلة في فضح دعاواهم ونقض عهودهم، يختتم هذا المقطع العظيم بنداء يشبه النداء الذي بدأ به، وكأنه خاتمة لهذا الملف التاريخي: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي… وَاتَّقُوا يَوْمًا…﴾. فهذا التكرار بمثابة التلخيص النهائي، والتذكير الأخير، قبل أن يفتح القرآن ملفاً جديداً وهو قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التحصين والختام”. بدأت بتحصين “الأمة المؤمنة” من التشبه ببني إسرائيل في اللفظ (راعنا)، ثم انتقلت لتحصين “العقيدة” من أمانيهم (احتكار الجنة) وجرائمهم (نسبة الولد)، ثم حصنت “النبي” بالتسلية والتثبيت، ثم أنصفت “القلة المؤمنة” منهم. وختمت بتلخيص الملف كله وتوجيه “التحذير الأخير” لهم، ممهدة الطريق للانتقال إلى نموذج جديد.
