إنها فاتحة الكتاب، ومفتاح كنوزه، ومنهاج المناجاة الذي وضعه الخالق ليهتدي به الخلق في مخاطبته. هي سبع آيات، لكنها عقدٌ فريد من المعاني، كل آية فيه تسلمك إلى أختها في نسق بديع، وتدرّج محكم، يصعد بالروح من ساحة الخلق إلى رحاب الحق.
تبدأ الرحلة بطرق الباب بأدب الاستعانة في ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فقبل الطلب، وقبل الثناء، يُقدّم العبد اسم الله، معترفاً أن كل خطوة هي به ومنه، ومستشعراً أن الباب الذي يطرقه هو باب رحمة لا ينقطع مددها، فتدخل النفس في حالة من السكينة والطمأنينة.
ولما كان البدء باسمه هو عنوان الأدب، كان من تمام هذا الأدب أن يتبعه مباشرة بالثناء الذي يليق به سبحانه، فقال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فبعد أن استعان برحمته، أعلن أن الحمد المطلق الكامل لا يكون إلا له. ولماذا هو أهلٌ لهذا الحمد؟ لأنه "رب العالمين"، الخالق، المالك، المدبر لكل شيء، وهي صفة تملأ القلب إجلالاً وتعظيماً.
ولما رسخ في النفس هذا الشعور بالجلال والهيبة أمام "رب العالمين"، كان من تمام الحكمة والرحمة أن يصل هذا الجلال بالجمال، حتى لا يبقى القلب في رهبة تامة، فجاء قوله: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. كأن الله يقول: نعم، أنا الرب المهيمن، ولكن ربوبيتي قائمة على الرحمة الشاملة. وهكذا تكتمل الصورة في قلب العبد، فيجتمع التعظيم مع الأنس، والهيبة مع المحبة.
وبعد أن غمرت القلب أنوار الرحمة في هذه الدنيا، كان لا بد من إقامة ميزان العدل حتى لا يظن ظان أن الرحمة تعني غياب الحساب. فكان من بديع النظم أن تأتي الآية التالية لتصل رحمة الدنيا بعدالة الآخرة، في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فهو الرحمن الذي يرحمك اليوم، وهو الملك الذي سيحاسبك غداً. وبهذا يكتمل ميزان المعرفة بالله، فيسير العبد بين الرجاء والخوف، وهما جناحا الإيمان.
وهكذا، لما اكتملت أركان المعرفة بالله في قلب العبد (ربوبيته، رحمته، عدله) ، أثمرت هذه المعرفة يقيناً وإقراراً، فانتقل الخطاب في لحظة تجلٍّ فريدة من الحديث "عنه" سبحانه، إلى مناجاته "هو"، فقال بلسان الحال والمقال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذه هي ثمرة المعرفة وغاية الوجود. كأنه يقول: يا من عرفتك رباً رحيماً ملكاً، أُعلن لك وحدك خضوعي، ومنك وحدك أطلب العون على هذا الخضوع. فجاءت العبادة والاستعانة متلازمتين، فلا عبادة حقة إلا بعون من المعبود.
ولما أعلن العبد هذا الميثاق العظيم، ووضع نفسه في مقام العبودية، كان من تمام صدقه أن يطلب أعظم ما يحتاجه للسير على هذا الدرب، وهو الهداية. فقال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فبعد أن وهب القلب، طلب الدليل. إنه ليس طلباً لدنيا زائلة، بل طلبٌ للطريق الواضح الذي يوصل إليه سبحانه.
ولما كان هذا الدعاء عظيماً، لكنه قد يكون مجملاً، جاءت الآية الأخيرة لتفصّله وتجلّيه، فلا يبقى في النفس حيرة. فكانت صلة الوصل بين الإجمال والتفصيل في قوله: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فهذا الصراط المستقيم ليس فكرة مجردة، بل هو طريق له أهله الذين سبقوا بالخير، وله كذلك طرق منحرفة تجب معرفتها لتجنبها. فحددت الآية الطريق بالنموذج الإيجابي المنعَم عليهم، وحذّرت من النموذجين السلبيين (المغضوب عليهم والضالين). وبذلك، يختتم العبد مناجاته وهو على بصيرة تامة بما يطلب، مستعيناً بربه، حامداً له، مقراً بعبوديته، طالباً هدايته المفصلة. فسبحان من أحكم كلامه هذا الإحكام.