سورة آل عمران: 1-92

مجالس سورة آل عمران

اضغط للذهاب الى

المجلس الأول: أصل الدين وجوهر الصراع
الآيات: 1-32

النص القرآني : الآيات 1-32

الٓمٓ  ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ  نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ  مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ  إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ  هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ  هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ  رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ  رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ  إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ  كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ  قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ  قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ  زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ  ۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ  ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ  ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ  شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ  إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ  فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ  إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ  أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ  ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ  فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ  قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ  تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ  لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ  قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ  يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ  قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ  قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ 

مقاطع المجلس

الآيات : ١ - 17

﴿ الم ﴿١﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾ … وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴿١٧﴾

تبدأ السورة بنفس الافتتاح الذي بدأت به سورة البقرة ﴿الم﴾، وكأنها تؤكد على وحدة المصدر، وأن ما سيأتي هو امتداد وتفصيل لما سبق. ثم يأتي مباشرة إعلان التوحيد الأعظم الذي هو أساس كل شيء: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فكما بدأت البقرة بالتعريف بالكتاب، بدأت آل عمران بالتعريف بصاحب الكتاب، الإله الحي القيوم الذي لا يتغير ولا يزول.

ولما ذكر ذاته العلية، ذكر فعله العظيم المتعلق بالرسالة، وهو إنزال الكتب: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ثم ذكر أنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل، ثم ذكر أنه أنزل “الفرقان”، وهو القرآن نفسه أو كل ما يفرق بين الحق والباطل. وحين ذكر إنزال الآيات والهدى، كان من تمام البيان أن يذكر مصير من يكفر بها، وأن يوضح سبب هذا العقاب الشديد، وهو أن منزّله ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. ولكي لا يظن الكافر أنه يستطيع أن يفلت من هذا الانتقام، جاءت الآية التالية لتؤكد على شمول علم الله الذي هو أساس محاسبته.

وبعد أن ذكر أن الله هو من أنزل الكتاب، انتقل إلى بيان طبيعة هذا الكتاب، وكيف يتعامل الناس معه. فبيّن أن الكتاب ينقسم إلى آيات “محكمات” و”متشابهات”. وبناءً على هذا التقسيم، انقسم الناس إلى فريقين: أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، وأهل العلم الراسخون الذين يردون المتشابه إلى المحكم ويسلمون الأمر كله لله. ولما ذكر الرسوخ في العلم، علمنا أن هذا ليس بقوة الإنسان بل هو فضل من الله، فجاء دعاؤهم مباشرة ليكشف عن سر ثباتهم، وهو اللجوء الدائم إلى الله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.

وحين ذكروا يوم الجمع، انتقل السياق ليؤكد أن الكافرين في ذلك اليوم لن تغني عنهم قوتهم الدنيوية من مال أو ولد، ثم ربط مصيرهم بمصير من سبقهم من الطغاة كآل فرعون. ثم انتقل الخطاب من الحديث عن مصيرهم الأخروي، إلى تبشير المؤمنين بمصيرهم الدنيوي، وهو النصر القريب، فجاء الأمر للنبي ﷺ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. وما هو الدليل الحسي على صدق هذا الوعد بالنصر؟ ساق لهم مباشرة آية وقعت أمام أعينهم، وهي معركة بدر: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾.

ولما ذكر الانتصار على الكفار، الذين كان دافعهم هو حب الدنيا، انتقل السياق إلى تحليل هذا الداء الذي هو أصل كل بلاء: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾. فعدد أصول هذه الشهوات، ثم وضعها في حجمها الحقيقي: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وكعادة القرآن، بعد أن ذكر المتاع الأدنى، شوق النفوس إلى المتاع الأعلى والأبقى، فجاء وصف الجنة ونعيمها الخالد، وأعظم من كل ذلك: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. ومن هم أهل هذا النعيم؟ جاءت الآيات التالية لتصفهم بصفات متكاملة: فهم الذين يعلنون إيمانهم ويطلبون المغفرة، وهم الصابرون والصادقون والقانتون والمنفقون والمستغفرون بالأسحار.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التأسيس والموازنة”. بدأت بتأسيس “جوهر العقيدة” (التوحيد)، و”مصدر المنهج” (الكتاب)، ثم وازنت بين “منهجين في التعامل” مع هذا الكتاب (أهل الزيغ وأهل العلم). ثم وازنت بين “مصيرين” (الكفار والمؤمنين) في الدنيا والآخرة. ثم وازنت بين “شهوتين” (حب شهوات الدنيا والرغبة في نعيم الآخرة). وختمت بالموازنة بين “أهل الشهوات” و”أهل الصفات” الإيمانية. إنها مقدمة محكمة تضع كل القضايا في ميزان الحق.

الآيات: 18-32

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ … قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿٣٢﴾

لماذا الآن؟
حين ختم السياق السابق بذكر صفات المتقين العظيمة (الصابرين، الصادقين…)، فإن سؤالاً يطرح نفسه في عقل المتدبر: ما هو المصدر الذي يمنح هذه الصفات قيمتها؟ وما هو الأساس الذي يجعل الصبر والصدق والإنفاق طريقاً إلى الجنة؟

فجاءت “آية الشهادة العظمى” ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كأنها تقول: إن هذه الصفات التي مدحناها لم تكن عظيمة في ذاتها فقط، بل هي عظيمة لأنها “التطبيق العملي” و”الثمرة الطبيعية” لأعظم حقيقة في الكون، وهي حقيقة التوحيد. فالصبر والصدق والقنوت كلها تجليات لعبودية القلب لله الواحد القهار.

وقفة للتأمل: بهذا، يربط القرآن بين “السلوك” (الأخلاق) و”العقيدة” (التوحيد) ربطاً لا ينفصم، ليؤكد أن الأخلاق في الإسلام ليست مجرد قيم اجتماعية، بل هي تجليات لعبودية القلب لله.

ولما كانت الوحدانية والعدل هما أساس الشهادة، ترتب على ذلك مباشرة تحديد “الدين المقبول” عند الله، وهو الدين الذي يقوم على هذين الأساسين: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ثم بيّن أن الانحراف الذي وقع فيه أهل الكتاب لم يكن عن جهل، بل كان عن حسد وبغي بعد أن جاءهم العلم. وبعد أن أرسى هذه القاعدة، وجه الخطاب للنبي ﷺ ليرسم له منهج التعامل معهم إذا استمروا في جدالهم.

ولكن، لما كان من أهل الكتاب من لم يكتف بالجدال والتولي، بل وصل إلى حد العدوان، انتقل السياق ليصف جريمتهم الكبرى، وهي ليست مجرد كفر بالآيات، بل تعدت إلى قتل الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس. فكان هذا كشفاً عن أنهم يحاربون “القسط” نفسه الذي شهد الله به. ولما كانت هذه جريمتهم، جاءت البشارة المؤلمة لهم: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

ثم، لكي يثبت توليهم وإعراضهم، ساق مثالاً عملياً من واقعهم، وهو رفضهم الاحتكام إلى كتابهم نفسه إذا كان الحكم سيأتي على غير هواهم. وما هو السبب النفسي الذي يجرؤهم على هذا الفعل؟ إنه غرورهم الديني وأمانيهم الباطلة بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات.

ولما ذكر السياق اغترارهم بملكهم الدنيوي، جاءت الآيات التالية لتهدم هذا المفهوم من أساسه، وتنسب الملك كله لصاحبه الحقيقي، في دعاء عظيم يعلمنا حقيقة الملك والقدرة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. وبناءً على هذه الحقيقة (أن الملك والعزة لله وحده)، ترتب عليها مباشرة توجيه حاسم في “الولاء والبراء”، وهو من أهم مقتضيات التوحيد: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم جاء التحذير الإلهي المباشر ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وربطه بعلمه المحيط الذي لا تخفى عليه خافية.

وحين وصل الحديث إلى هذه الدرجة من التحذير والترهيب، كان لا بد من وضع “الميزان العملي” الذي يفرق بين الحب الصادق والحب الادعاء. فجاءت آية المحبة والاختبار: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فجعلت اتباع الرسول هو البرهان على صدق محبة الله. ثم جاء الأمر النهائي الذي يلخص كل ما سبق: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة الانتقال من المبدأ إلى المواجهة”. بدأت بـ “المبدأ الأعلى” (شهادة التوحيد)، ثم انتقلت لتحدد “الدين الحق” المبني عليه (الإسلام)، ثم واجهت “الانحرافات” عن هذا الدين (جرائم أهل الكتاب من قتل وتحريف وغرور)، ثم عادت لتؤصل “لأصل السلطان” (الملك لله)، وختمت بوضع “الميزان العملي” للثبات على هذا الدين (اتباع الرسول).

المجلس الثاني: قصة آل عمران وجوهر رسالة المسيح
الآيات: 33-63

النص القرآني : الآيات 33-63

۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ  ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ  فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ  فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ  فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ  قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ  قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ  وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ  يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ  إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ  وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ  قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ  وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ  وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ  إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ  ۞فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ  رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ  وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ  إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ  فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ  ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ  إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ  فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ  إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ  فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ 

مقاطع المجلس

الآيات: ٣٣ - ٤٤

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ … ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٤﴾

لماذا الآن؟
بعد أن أرسى السياق قاعدة “اتباع الرسول” كبرهان على محبة الله، وبعد أن حذر من الكفر والتولي، كان لا بد من الانتقال إلى “التطبيق التاريخي” لهذه القواعد. فإذا كان اتباع الرسل هو أساس الدين، فمن هم هؤلاء الرسل المصطفون؟ وما هي حقيقة دعوتهم؟

فكان من أبدع النظم أن يبدأ السياق بسلسلة “الاصطفاء الذهبية”: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فهذه الآية تمهد للموضوع الرئيسي للسورة، وهو الجدال حول عيسى عليه السلام، من خلال وضعه في سياقه التاريخي الصحيح. فهو ليس بدعاً من الأمر، بل هو حلقة في سلسلة مباركة، بعضها من بعض.

ولما ذكر “آل عمران” بشكل مجمل، بدأ السياق مباشرة في تفصيل قصتهم، والتي هي مقدمة لميلاد عيسى عليه السلام. فبدأ بالجدة الصالحة، امرأة عمران، التي نذرت ما في بطنها خالصاً لله. وحين ولدت أنثى (مريم)، لم تيأس، بل سلمت أمرها لله، وأعاذتها وذريتها من الشيطان. فجاء القبول الإلهي لهذا النذر الصادق: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾. ومن تمام هذا القبول أن هيأ لها كفالة نبي، وهو زكريا، وأن رزقها رزقاً سماوياً من عنده.

وحين رأى زكريا هذه الكرامة الخارقة للعادة لمريم، تحرك في قلبه الأمل. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، فطلب ذرية طيبة رغم كبر سنه وعقم زوجته. فجاءت الاستجابة الفورية التي تليق بقدرة الله، بشرته الملائكة وهو قائم يصلي، بغلام اسمه يحيى، ووصفت صفاته بأنه سيكون مصدقاً بعيسى، وسيداً، وحصوراً، ونبياً من الصالحين. فكانت قصة يحيى تمهيداً وإرهاصاً لقصة عيسى عليهما السلام.

ثم يعود السياق إلى مريم، فيذكر اصطفاءها المباشر وتطهيرها على نساء العالمين، وأمرها بالعبادة والقنوت. وبعد أن ذكر مكانتها، انتقل السياق إلى البشارة العظمى بميلاد المسيح عيسى ابن مريم.

وقفة للتأمل: لاحظ كيف أن ذكر قصة يحيى قبل قصة عيسى هو “تمهيد” و”توطئة” للعقول لتقبل المعجزة الأكبر. فمن قدر على خلق يحيى من أب شيخ وأم عاقر (وهو أمر خارق للعادة)، فهو قادر على ما هو أعظم منه، وهو خلق عيسى من أم بلا أب. إنه التدرج الحكيم في عرض الآيات.

ثم يختم هذا الجزء بآية تكشف عن مصدر هذه الأخبار الدقيقة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. فإخبار النبي الأمي بهذه التفاصيل التي لم يكن شاهداً عليها، هو بحد ذاته أكبر دليل على أنه رسول يوحى إليه من عند الله، وليس ساحراً أو كاهناً.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التمهيد التاريخي”. فهي تبني المسرح لظهور الشخصية المحورية (عيسى عليه السلام) من خلال تأسيس سلالته المباركة (آل عمران)، وتقديم الكرامات التي حفت بوالدته (مريم)، وتقديم المعجزة الممهدة لولادته (ميلاد يحيى). كل جزء في القصة يمهد لما بعده في تسلسل منطقي ومعجز.

الآيات: 45-63

﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ … فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ﴿٦٣﴾

بعد أن مهّد السياق لميلاد المسيح، ينتقل الآن إلى “البشارة العظمى” نفسها، ليفصل فيها ويكشف عن حقيقة عيسى عليه السلام وجوهر رسالته، رداً على كل الشبهات.
تبدأ البشارة بنسبته إلى أمه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ليؤكد ولادته المعجزة بغير أب. ثم تذكر بعض صفاته ومعجزاته، مثل كلامه في المهد، وإحيائه الموتى بإذن الله، وكلها براهين على صدق رسالته.

وما هو جوهر هذه الرسالة؟ لخصته الآيات في نقطتين محوريتين:

  1. التصديق لما قبله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
  2. إعلان التوحيد الخالص: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
    فهذه هي خلاصة دعوته، وهي نفس دعوة كل الأنبياء.

ولكن، لما أحس عيسى منهم الكفر والإعراض، أطلق نداءه الشهير: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؟ فاستجاب له الحواريون معلنين إيمانهم وإسلامهم. وفي المقابل، مكر الذين كفروا لقتله، فرد الله مكرهم: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ثم بيّن الله حقيقة ما حدث، وهو أنه لم يُقتل ولم يُصلب، بل إن الله توفاه ورفعه إليه، وطهره من الذين كفروا، وجعل أتباعه الحقيقيين فوق الكافرين إلى يوم القيامة.

وبعد أن انتهت القصة، جاء “التعقيب الإلهي” ليضع حداً للجدل حول طبيعة عيسى عليه السلام. فجاءت القاعدة الحاسمة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فمن آمن بخلق آدم من غير أب ولا أم، فكيف يستغرب خلق عيسى من أم بلا أب؟ فكلاهما آية على قدرة الله المطلقة.
ثم، وبعد أن أقام الحجة بالبرهان العقلي والتاريخي، انتقل إلى “المباهلة” كحل أخير عند استمرار العناد: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، وهي دعوة للاحتكام إلى الله مباشرة ليلعن الكاذب من الفريقين. ثم يختم هذا الجدال بتقرير الحقائق النهائية: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة كشف الحقيقة”. فبعد أن مهدت الوقفة السابقة لميلاد المسيح، تأتي هذه الوقفة لتجيب على السؤال المحوري: “من هو عيسى؟ وما هي رسالته؟”. فتفند شبهة الألوهية بإثبات عبوديته، وتؤكد أن جوهر رسالته هو التوحيد، وتقيم الحجة على خلقه المعجز بقياسه على خلق آدم، وتختم بدعوة الخصم إلى المباهلة كآخر طريق لكشف الحق.

المجلس الثالث: الكلمة السواء والميثاق الأعظم
(الآيات ٦٤ - ٩٢)

النص القرآني : الآيات 64-92

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ  يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ  هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ  مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ  إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ  وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ  يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ  يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ  وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ  وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ  يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ  ۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ  بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ  إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ  وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ  مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ  وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۗ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ  وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ  فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ  أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ  قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ  وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ  كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ  أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ  خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ  إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ  إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ  إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ  لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ 

مقاطع المجلس

الآيات: 64-78

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ … وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٨﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن فصل السياق في قصة عيسى عليه السلام ورد على الشبهات الخاصة بالنصارى، ينتقل الآن ليوجه دعوة جامعة لأهل الكتاب جميعاً (يهوداً ونصارى)، ليردهم من فروع الخلاف إلى “نقطة الأصل المشتركة” التي تجمع كل الرسالات السماوية. إنها خطوة حكيمة في الجدال، تبدأ بالبحث عن أرضية مشتركة قبل مواصلة الحوار.

وهكذا، جاء النداء الذي يمثل قمة العدل والإنصاف: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. وما هي هذه الكلمة؟ ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. إنه جوهر التوحيد الخالص. ثم يضع أمامهم الخيار: فإن تولوا عن هذا الأصل المشترك، فأعلنوا أنتم أيها المؤمنون ثباتكم على إسلامكم.

ثم يعود السياق إلى محاجتهم في شأن إبراهيم، الذي يمثل الأصل الذي ينتسبون إليه زوراً. فيدحض دعواهم انتسابه إليهم بدليل زمني قاطع: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ثم يعلن حقيقة ملته التي يتجاهلونها: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. ثم يحدد من هم الأحق بالانتساب إليه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.

وبعد هذا الحوار العقدي، يكشف السياق عن “النوايا الخفية” لفريق من أهل الكتاب تجاه المؤمنين، وهي ليست البحث عن الحق، بل إضلال المؤمنين ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾، ثم يفضح جرائمهم المتعددة: الكفر بآيات الله وهم يشهدون بصدقها، وخلط الحق بالباطل وكتمان الحق. ثم يكشف عن مؤامرتهم الخبيثة لزلزلة إيمان ضعفاء المسلمين: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

وهنا يقف بنا القرآن وقفة عميقة ليكشف عن “المنطق الداخلي” الذي يحرك كل هذه المؤامرات، وهو منطق الحسد والاستئثار بالفضل. فهم يتآمرون ويقولون لأتباعهم: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. فيأتيهم الرد الإلهي الذي ينسف منطقهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، فالهداية من الله لا منكم. ثم يكشف عن حسدهم: فهم يخشون ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. فيأتيهم الرد مرة أخرى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.

ولما فضح السياق مؤامراتهم الفكرية، انتقل إلى فضح “خياناتهم الأخلاقية والمالية”، ليبيّن أن انحراف العقيدة يؤدي حتماً إلى انحراف السلوك. ولكن، وكعادة القرآن في العدل والإنصاف، لم يعمم الحكم، بل بدأ بالتقسيم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، فذكر أن منهم قلة أمينة. ثم ذكر الأكثرية الخائنة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. ثم كشف عن “الغطاء الديني” الذي يتترسون به لتبرير خيانتهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. فهم يستحلون أموال غيرهم بناءً على عقيدة عنصرية فاسدة. فجاء الرد الإلهي الذي يهدم هذا المنطق: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. فالعهد والأمانة والتقوى هي الميزان عند الله، لا العرق أو الدين. ثم توعد الذين يشترون بعهدهم ثمناً قليلاً بأشد العقوبات الأخروية.

ثم يرتقي السياق في فضح الخيانات، فينتقل من خيانة المال إلى الخيانة الأعظم، وهي خيانة كلام الله نفسه وتحريف النص: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. فهم يزورون كلام الله عمداً، وينسبونه إليه كذباً وهم يعلمون.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة فضح الخيانة”. بدأت بدعوتهم إلى “الكلمة السواء” التي هي أصل الأمانة، ثم انتقلت لتكشف خيانتهم لهذه الكلمة من خلال مؤامراتهم (خيانة فكرية)، ثم فضحت خيانتهم للأمانة المالية (خيانة أخلاقية)، وبلغت ذروتها بفضح خيانتهم للنص الإلهي (خيانة علمية وعقدية). إنه تدرج يكشف كيف أن الانحراف يبدأ صغيراً ثم يتسع ليشمل كل جوانب الحياة.

الآيات:79-92

﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ … وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿٩٢﴾﴾

لماذا الآن؟
من بين الكذب والتحريف الذي كان يمارسه أهل الكتاب، كانت هناك شبهة خطيرة يلقونها، وهي غلوهم في أنبيائهم ورفعهم فوق منزلة البشرية، كما فعل النصارى مع عيسى عليه السلام. فجاء الرد الإلهي قاطعاً وحاسماً، ليضع “القاعدة العامة” في شأن الأنبياء جميعاً: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُّوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فمهمة النبي هي أن يدعو الناس ليكونوا “ربانيين”، لا أن يدعوهم لعبادة نفسه.

وبعد أن بيّن حقيقة دعوة الأنبياء (وهي الدعوة إلى الله وحده)، انتقل ليقيم عليهم الحجة بـ “ميثاق عظيم” لا يستطيعون إنكاره، وهو “ميثاق الأنبياء”: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ… لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. فالله أخذ العهد على كل نبي، أنه لو ظهر في زمانه نبي آخر، لوجب عليه أن يؤمن به وينصره. والغاية من ذكر هذا الميثاق هنا هي إلزام أهل الكتاب الحجة: فإذا كان هذا هو واجب الأنبياء، فمن باب أولى أن يكون واجباً على أتباعهم. فكان هذا الميثاق هو أعظم حجة على أهل الكتاب لوجوب إيمانهم بالنبي محمد ﷺ.

وبناءً على هذا الميثاق، جاء السؤال الاستنكاري: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؟ فهل بعد هذا البيان يبحثون عن دين آخر غير دين “الإسلام” الذي هو الاستسلام لله، والذي عليه كل من في السماوات والأرض؟ ثم جاء الأمر للنبي والمؤمنين أن يعلنوا إسلامهم الشامل الذي هو التطبيق العملي لهذا الميثاق. ثم جاء الحكم النهائي: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.

ولما حسم قضية الدين المقبول، انتقل السياق إلى حالة عجيبة من حالات الكفر، وهي كفر من رأى البينات وعرف الحق ثم أنكره: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ…﴾. فهؤلاء لا يستحقون الهداية لأنهم اختاروا الضلال عن علم. فكان جزاؤهم هو اللعنة الدائمة والعذاب الذي لا يخفف. وكعادة القرآن، فتح باب التوبة لمن أراد، لكنه في المقابل أغلقه في وجه من يزداد كفراً ويصر عليه حتى الموت.

وقفة للتأمل: وأخيراً، بعد كل هذا الحديث عن الكفر والضلال وعقوباته، وبعد فضح خيانات أهل الكتاب وحبهم للدنيا الذي جعلهم يبيعون دينهم، تأتي آية محورية تمثل “ذروة عملية” في طريق الإيمان، وتضع شرطاً أساسياً لتحقيق “البر” الحقيقي الذي هو غاية كل مؤمن: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فكأنها تقول: إن الطريق لتجنب كل مصائر أهل الضلال، ولتحقيق الإيمان الصادق، هو كسر “حب الدنيا” والتعلق بها، ولا يتم ذلك إلا بالإنفاق من أحب الأشياء إلى النفس. فكانت هذه الآية بمثابة “اختبار الصدق” العملي لكل ما سبق من إيمان.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة الميثاق والحل”. بدأت بتصحيح “مفهوم النبوة”، ثم انتقلت لتؤسس لـ “ميثاق الأنبياء” الذي يوحد رسالتهم، ثم قررت “الدين الواحد” (الإسلام) الذي هو نتيجة هذا الميثاق. وبعد أن بينت مصير من يرفض هذا الدين، قدمت “الحل العملي” للنجاة والثبات على هذا الدين، وهو التضحية والإنفاق مما تحب النفس، كعلاج لمرض حب الدنيا الذي كان أصل ضلال من سبق.

Scroll to Top